اقرأ لهؤلاء

د. صلاح عبدالجابر يكتب: لماذا تطرد الضرائب المرتفعة الاستثمار وتمنع الادخار؟

خلال الفترة الأخيرة لاحظ الجميع أن هناك سباقا سريعا بين أجهزة الدولة المصرية خاصة التي تتولى الجوانب الاقتصادية لزيادة الرسوم التي تحصل عليها من الأفراد والمستثمرين، وأن وزارة المالية تسابق نفسها لفرض المزيد من الضرائب والرسوم، فكل يوم هناك زيادة لرسم ما أو فرض ضريبة جديدة تثقل كاهل الأفراد أو الصناع أو الزراع أو التجار.


يرى الخبراء في الاقتصاد أن معدلات الضرائب المرتفعة التي تفرضها بعض الدول، عندما ترى أن العوائد الضريبية التي تجنيها تزداد عاما بعد عام، تؤثر سلبا على مدخرات الأفراد فتجعلهم يميلون للإنفاق وليس الإدخار، كما انها وسيلة طاردة للمستثمرين، تجعلهم يهربون للملاذات الضريبية الآمنة، والبلاد التي تخفض معدلات الضريبة مثل امارة دبي في الامارات وغيرها، أو تحويل قرارتهم الاستثمارية من العمل في إنشاء المصانع والأنشطة التجارية والاستثمارية إلى مجالات لا تفرض عليها ضرائب أو تكون منخفضة الضريبة مما يؤدي في النهاية لضعف الاستثمار وتآكل القاعدة الضريبية نتيجة لانخفاض أعداد المصانع والشركات التي تحصل منها الضرائب وبالتالي إنخفاض حصيلة الضرائب التي تجمعها الدولة بعد سنوات قليلة من اتخاذ مثل هذه المعدلات الضريبية المرتفعة.


ولذلك يرى الخبراء العالميون في الاقتصاد مثل جورج شيلدور واكريتول أن أفضل طريقة لتحسين الأداء الاقتصادي للدولة وجعلها تجمع أكبر قدر من الموارد المالية هي الإهتمام بزيادة العرض الكلي من السلع والخدمات، وذلك من خلال تسهيل ترخيص الأنشطة الصناعية والتجارية والحد من الاجراءات المعقدة التي تتبعها الحكومات، وكذلك تخفيض معدلات الضرائب العالية، وذلك لما لهذه الضرائب المرتفعة من أثر سلبي كبير على قرارات الاستثمار التي يتخذها المستثمرون المحليون والأجانب، وإحجامهم عن الاستثمار في أي بلد ترتفع فيه المعدلات الضريبية، وكذلك تأثيرها على توفير فرص العمل نتيجة هروب المستثمرين لملاذات آمنة، وأثرها السلبي على الإدخار للأفراد العاديين في الدولة.
ويعتقد هؤلاء الخبراء والاقتصاديون أن المعدلات الحدية المرتفعة للضرائب تخفض الإدخار وتزيد الأستهلاك وتحد من الحافز على الإستثمار وبالتالي خفض معدلات النمو الاقتصادي، فضلا عن انخفاض حصيلة الإيرادات من الضريبة، لذلك يطالبون بخفض معدلات الضرائب لتحفيز المستثمرين على الاستثمار مما يؤدي لتوفير المزيد من فرص العمل، وزيادة الإنتاجية ورفع مستويات النمو وبالتالي زيادة حصيلة الضرائب التي تجمعها الدولة.
ومن الأدوات التي استخدمها هؤلاء الأقتصاديون لدعم وإسناد آرائهم المنحنى البياني الذي وضعه عالم الأقتصاد الأمريكي آرثر لافر وهو منحنى يوضح العلاقة بين معدلات الضريبة ومجمل العوائد الضريبية التي تحصل عليها الدولة، ويلاحظ في هذا المنحنى أنه يتخذ شكل حرف يؤ في الإنجليزية بالمقلوب، ويرى هذا العالم الكبير أن الإيرادات الضريبية تزداد مع زيادة معدلات الضريبة وتصل الى أقصى حد عند قمة منتصف المنحنى ثم تبدأ في الانخفاض مع تزايد معدلات الضريبة.
ويرى أيضا أنه عندما يكون معدل الضريبة صفرا فإن مجمل العوائد سيكون صفرا أيضا، وكذلك الحال لو كان معدل الضريبة 100 في المائة فإن مجمل العوائد سيكون صفرا أيضا، لامتناع الأفراد عن ممارسة الأنشطة الاستثمارية لكونها غير مربحة، ويرى أن أفضل معدل للضريبة إذا ارادت الدولة أن تجني أكبر العوائد يكون عند مستوى 50 في المائة ، إذ تصل مجمل العوائد الحكومية لأعلى مستوى عند منتصف قمة المنحنى.
وبعد هذا المعدل الضريبي المرتفع تبدأ حصيلة الضرائب بالانخفاض على اعتبار أن معدلات الضريبة المرتفعة ستخفض من فرص العمل والإدخار والاستثمار وتدفع المكلفين بدفع الضرائب للتهرب الضريبي أو تجنب الاستثمار أصلا.
وفي النهاية يدعو هؤلاء الخبراء لوضع تعديلات على هيكل النظام الضريبي سموها باقتطاعات ضريبة جانب العرض، وتحسين الحوافز الاستثمارية لجذب المستثمرين، من خلال خفض معدلات الضرائب وجعل النظام الضريبي أقل تصاعدا وأن يكون مصمما لتشجيع الانتاج وتحفيز الاستثمار والعرض الكلي بدلا من الاعتماد على الطلب الكلي.


لذلك نرى في النهاية أنه يجب على حكومتنا الرشيدة أن تسعى لتخفيض معدلات الضرائب المرتفعة التي أصبحت تثقل كاهل الأفراد والمستثمرين على حد سواء، لأن ذلك سوف يزيد من جذب المستثمرين المحليين والأجانب ويوفر الآلاف بل الملايين من فرص العمل ويزيد الناتج القومي وبالتالي تكون حصلت على المزيد من الإيرادات الضريبية وزادت معدلات النمو وخفضت البطالة والتضخم في آن واحد.
والله الموفق والمستعان

زر الذهاب إلى الأعلى