آخر الاخباراقرأ لهؤلاءبورصة و شركات

أحمد فضل يكتب: تجريم العنصرية فى الإسلام.. الجزء الثانى.. (( الجزء الثانى))

استمع إلى المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي

بوابة الاقتصاد

كما ذكرنا فى الجزء الأول أن العنصرية: هى التفرقة بين البشر بسبب أصولهم الجنسية، أو لونهم أو لغتهم او عاداتهم أو معتقداتهم أو ثقافاتهم، ويترتب على ذلك_ السخرية ونبذ الأخرين والتقليل من شأنهم، مما يؤدى إلى أضرار جسيمة يعانى من خسائرها الفرد والمجتمع.

_ ومن أضرار العنصرية على الفرد الحقد والكراهية والتربص بين الشخص العنصرى والشخص الذى تمارس عليه السلوكيات العنصرية، ومن ثم تجعل الشخص الذى يتعرض للعنصرية شخصا وحيدا منبوذا، يشعر بالظلم وبالأسف والأسى لما يراه من الناس، دون أى ذنب منه، مما قد يتسبب له فى متاعب وأمراض نفسية تؤثر بالضرورة على قدرته الإنتاجية والعملية، بسبب ما يعانيه من إهمال وتهميش.

فضل باحث
فضل باحث

_ ومن أضرار العنصرية على المجتمع: أنها تورث مجتمعا مفككا، غير مترابط، تكثر فيه النزاعات بين أفراد المجتمع، بسبب العداء والكراهية والضغينة، نتيجة تعالى بعض البشر على بعض، بل قد تؤدى العنصرية إلى إشعال شرارة الحرب والتقاتل بين أبناء المجتمع وذلك لتعصب كل طائفة لأفكارها.

وبسبب هذه الأضرار الجسيمة على الفرد والمجتمع التى تتسبب فيها العنصرية؛ أكد الإسلام على تحريم وتجريم العنصرية، وبينت الشريعة الإسلامية من خلال القرآن والسنة، أن الناس كلهم خلقهم الله عز وجل من نفس واحدة، وكلهم لاب واحد، وأن اختلاف اللغة او اللون هو من آيات الله عز. جل، وحرم الله تبارك وتعالى السخرية من الأخرين، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فالمتأمل فى الشريعة الإسلامية يقف على الكثير من الأيات والأحاديث التى نهت عن السخرية والتقليل من شأن الأخرين، أو التنمر عليهم، حيث قال الله تعالى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*)) أى لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين عسى؛ ان يكون المهزوء به منهم خيرا من الهازئين، ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات؛ عسى أن يكون المهزوء به منهن خيرا من الهازئات، ولا يعب بعضكم بعضا، ولا يدع بعضكم بعضا بما يكره من الألقاب، بئس الصفة والاسم والفسوق، وهو السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، بعدما جاءكم الإسلام وأمنتم به وعلمتم مبادئه وأوامره ومن لم يتب من هذه السخرية واللمز والتنابز والفسوق، فاولئك الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب هذه المناهى. وكيف يسخر الإنسان من أخيه الإنسان بسبب صورته التى خلقه الله عليها، والله تبارك وتعالى هو الذى خلق فسوى وقدر فهدى، حيث يقول الله تعالى ((هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ*)) فالله تعالى سبحانه هو الخالق البارئ المصور وليس للإنسان أى دخل فى صورته أو فى شكله، فيعير ويلام على شئ أوجده الله عليه.

قال رجل لحكيم: يا قبيح الوجه! فرد الحكيم قائلا: ما كان خلق وجهى إلى فأحسنه، فذم الإنسان لخلقته أو لصورته أو للونه؛ هو ذم للخالق سبحانه وتعالى، فمن ذم صنعة فقد ذم صانعها، وقد جاء فى الحديث الذى رواه أحمد بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( كل خلق الله عز وجل حسن))، وقد يسخر الإنسان من أخيه الإنسان لردائة حاله، أو لقلة ماله، ويغفل عن ان الله هو الزاق الغنى المغنى، الذى يبسط الرزق لمن يشاء، قال تعالى(( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ*)) والله تبارك وتعالى هو الذى قسم المعيشة بين الناس فجعل منهم الغنى والفقير، ورفع بعض الناس على بعض، قال تعالى: (( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ*)).

فالله سبحانه وتعالى هو الرزاق، والله سبحانه وتعالى هو الذى يعطى هذا ويمنع هذا، ومن مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه قوله صلى الله عليه وسلم (( اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) فالخالق هو الله والرازق هو الله جلا فى عليائه، قال تعالى(( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ*)) وقال تعالى ((أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ*)).

فهل بعد كل هذا يسخر الإنسان من شئ كتبه الله على أحد من خلقه؟!!.

فلا صورة المرء، ولا ماله، ولا حسبه ولا نسبه مقياس لتوقير الناس أو السخرية منهم، ودليلنا على هذا ما اخرجه الإمام مسلم فى صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) فالمعيار الحقيقى فى تكريم الإنسان هو القلب والعمل، والخيرية والكرامة تكون لأصحاب القلوب التقية النقية مهما كانت حالتهم وصورتهم؛ واكرم الناس عند الله أتقاهم، وليس أبيضهم، او أسودهم، أو أحمرهم، أو أقواهم، أو أوسمهم؛ حيث يقول الله تعالى مبينا أن الذى خلق الناس هو الله وخلقهم من ذكر وأنثى، ففى الآية الدليل القاطع انه ليس لأحد يد فى فى لونه أو صورته وكذلك فى نفس الآية أيضا دليل على ان كل الناس خلقوا من ذكر وأنثى وأن كل الناس لآدم وآدم من تراب، فعلام التفاخر او التفاضل الكاذب المختلق بين الناس بالصورة او باللون او بالأنساب، وكل الناس فى الأصل هم خلق اله واحد ولأب واحد؟!، قال تعالى (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ*)).

من هنا أكد الإسلام على عدم التفاخر او السخرية من الناس قال تعالى(( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ*)) بل أوصى الإسلام بمعاملة الناس بالقول الحسن وبالخلق الحسن؛ قال تعالى(( ِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)) هذا فى القول، واما فى الخلق والسلوك فالكثير من الأيات القرآنية والأحاديث تحث الناس على معاملة الناس بالحسنى ونفعهم وعونهم ففى ذلك الأجر الكبير من الله عز وجل، قال تعالى(( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ*)) والمعنى : اقْبَلْ -أيها النبي أنت وأمتك- الفضل من أخلاق الناس وأعمالهم، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى لا ينفروا، وأْمر بكل قول حسن وفِعْلٍ جميل، وأعرض عن منازعة السفهاء ومساواة الجهلة الأغبياء.

ويقول صلى الله عليه وسلم (( خير التاس أنفعهم للناس)) وقال صلى الله عليه وسلم (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حسن)). ..والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده؛ وأمر الإسلام الناس ان يكونوا نافعين لأنفسهم وللناس حيث قال صلى الله عليه وسلم (( على كل مسلم صدقة)) قيل أرأيت إن لم يجد؟ قال: (( يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق)) قيل: أرايت إن لم يستطع؟ قال: (( يعين ذا الحاجة الملهوف)) قيل أرأيت إن لم يستطع؟ قال: (( يامر بالمعروف أو الخير)) قيل: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: (( يمسك عن الشر فإنها صدقة)).

وهكذا دعا الإسلام إلى معاملة الناس بالحسنى قولا وخلقا ونفع الناس ونهى وحرم السخرية والإعتداء على الناس ولو بالكلمة فقد قال تعالى ؛(( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ*)) أى هلاك لكل طعان لعان معياب يسيئ إلى الناس ولو بالإشارة وجاء عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت: قُلْتُ للنبيّ – صلى الله عليه وسلم – : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. قَالَ بعضُ الرواةِ : تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ».

فهذه مجرد كلمة هى وصف لصفية ولكن قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لغيرته وأفسدته.

فالعنصرية ظلم.. وربنا تبارك وتعالى حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما، وقال تعالى: ((وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا*)).

والعنصرية تسخط على فطرة الله التى فطر الناس عليها واعتداء على خلق الله عز وجل وقد قال تعالى(( وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ*))

والعنصرية إهانة لإنسان هو من بنى أدم الذين كرمهم الله عز وجل، وخروج على أحكام وفطرة الله عز وجل، وبكل ذلك نصل إلى إن العنصرية إثم وعدوان وفساد فى الأرض، وقد قال الله عز وجل(( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ*))

هذا وفى الختام أسأل الله تبارك وتعالى ان يرد الناس إلى دينه ردا جميلا، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، إنه ولى ذلك ومولاه.

…أحمد فضل…

زر الذهاب إلى الأعلى